فصل: تفسير الآيات (41- 42):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير (نسخة منقحة)



.تفسير الآيات (38- 40):

{قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ (38) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (39) وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ (40)}
أمر الله سبحانه رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول للكفار هذا المعنى. وسواء قاله بهذه العبارة أو غيرها. قال ابن عطية: ولو كان كما قال الكسائي إنه في مصحف عبد الله بن مسعود {قُل لِلَّذِينَ كَفَرُواْ إِن تَنتَهُواْ} يعني: بالتاء المثناة من فوق، لما تأدّت الرسالة إلا بتلك الألفاظ بعينها.
وقال في الكشاف: أي قل لأجلهم هذا القول، وهو {إِن يَنتَهُواْ} ولو كان بمعنى خاطبهم، لقيل إن تنتهوا يغفر لكم، وهي قراءة ابن مسعود، ونحوه {وَقَالَ الذين كَفَرُواْ لِلَّذِينَ ءامَنُواْ لَوْ كَانَ خَيْراً مَّا سَبَقُونَا إِلَيْهِ} [الأحقاف: 11] خاطبوا به غيرهم لأجلهم ليسمعوه، أي إن ينتهوا عما هم عليه من عداوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وقتاله بالدخول في الإسلام {يُغْفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ} لهم من العداوة. انتهى. وقيل معناه: إن ينتهوا عن الكفر، قال ابن عطية: والحامل على ذلك جواب الشرط ب {يغفر لهم ما قد سلف} ومغفرة ما قد سلف لا تكون إلا لمنته عن الكفر. وفي هذه الآية دليل على أن الإسلام يجبّ ما قبله.
{وَإِن يَعُودُواْ} إلى القتال والعداوة أو إلى الكفر الذي هم عليه، ويكون العود بمعنى الاستمرار {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأولين} هذه العبارة مشتملة على الوعيد، والتهديد والتمثيل بمن هلك من الأمم في سالف الدهر بعذاب الله، أي قد مضت سنة الله فيمن فعل مثل فعل هؤلاء من الأوّلين من الأمم أن يصيبه بعذاب، فليتوقعوا مثل ذلك.
{وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} أي: كفر.
وقد تقدّم تفسير هذا في البقرة مستوفى {فَإِنِ انْتَهَوْاْ} عما ذكر {فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} لا يخفى عليه ما وقع منهم من الانتهاء {وَإِن تَوَلَّوْاْ} عما أمروا به من الانتهاء {فاعلموا} أيها المؤمنون {أَنَّ الله مَوْلاَكُمْ} أي: ناصركم عليهم {نِعْمَ المولى وَنِعْمَ النصير} فمن والاه فاز ومن نصره غلب.
وقد أخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن مجاهد، في قوله: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأولين} قال: في قريش وغيرها يوم بدر، والأمم قبل ذلك.
وأخرج أحمد، ومسلم، عن عمرو بن العاص، قال: لما جعل الله الإسلام في قلبي أتيت النبي صلى الله عليه وسلم، فقلت: ابسط يدك فلأبايعك، فبسط يمينه فقبضت يدي، قال: «مالك؟» قلت: أردت أن أشترط، قال: «تشترط ماذا؟» قلت: أن تستغفر لي، قال: «أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله، وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها، وأن الحجّ يهدم ما كان قبله» وقد ثبت في الصحيح من حديث ابن مسعود، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «الإسلام يجبّ ما قبله، والتوبة تجبّ ما قبلها» وقد فسر كثير من السلف قوله تعالى: {فَقَدْ مَضَتْ سُنَّتُ الأولين} بما مضى في الأمم المتقدّمة من عذاب من قاتل الأنبياء، وصمم على الكفر.
وقال السديّ ومحمد بن إسحاق: المراد بالآية يوم بدر. وفسر جمهور السلف الفتنة المذكورة هنا بالكفر.
وقال محمد بن إسحاق: بلغني عن الزهري عن عروة ابن الزبير، وغيره من علمائنا {حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} حتى لا يفتن مسلم عن دينه.

.تفسير الآيات (41- 42):

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41) إِذْ أَنْتُمْ بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُمْ بِالْعُدْوَةِ الْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ وَإِنَّ اللَّهَ لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ (42)}
لما أمر الله سبحانه بالقتال بقوله: {وقاتلوهم حتى لاَ تَكُونَ فِتْنَةٌ} [الأنفال: 38] وكانت المقاتلة مظنة حصول الغنيمة، ذكر حكم الغنيمة. والغنيمة قد قدّمنا أن أصلها إصابة الغنم من العدوّ، ثم استعملت في كل ما يصاب منهم، وقد تستعمل في كل ما ينال بسعي. ومنه قول الشاعر:
وقد طوّفت في الآفاق حتى ** رضيت من الغنيمة بالإياب

ومنه قول الآخر:
ومطعم الغنم يوم الغنم مطعمه ** أنى توجه والمحروم محروم

وأما معنى الغنيمة في الشرع، فحكى القرطبي الاتفاق على أن المراد بقوله تعالى: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَئ} مال الكفار إذا ظفر بهم المسلمون على وجه الغلبة والقهر. قال: ولا تقتضي اللغة هذا التخصيص، ولكن عرف الشرع قيد اللفظ بهذا النوع.
وقد ادّعى ابن عبد البر الإجماع على أن هذه الآية بعد قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} [الأنفال: 1] وأن أربعة أخماس الغنيمة مقسومة على الغانمين، وأن قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} نزلت حين تشاجر أهل بدر في غنائم بدر على ما تقدّم أوّل السورة.
وقيل إنها أعني قوله: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} محكمة غير منسوخة، وأن الغنيمة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وليست مقسومة بين الغانمين، وكذلك لمن بعده من الأئمة، حكاه الماوردي عن كثير من المالكية. قالوا: وللإمام أن يخرجها عنهم، واحتجوا بفتح مكة وقصة حنين وكان أبو عبيدة يقول: افتتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة عنوة ومنّ على أهلها فردّها عليهم ولم يقسمها ولم يجعلها فيئاً.
وقد حكى الإجماع جماعة من أهل العلم على أن أربعة أخماس الغنيمة للغانمين. وممن حكى ذلك ابن المنذر، وابن عبد البر، والداودي، والمازري، والقاضي عياض، وابن العربي، والأحاديث الواردة في قسمة الغنيمة بين الغانمين، وكيفيتها كثيرة جداً.
قال القرطبي: ولم يقل أحد فيما أعلم أن قوله تعالى: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأنفال} الآية ناسخ لقوله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَئ} الآية، بل قال الجمهور: إن قوله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَئ} ناسخ، وهم الذين لا يجوز عليهم التحريف ولا التبديل لكتاب الله. وأما قصة فتح مكة فلا حجة فيها لاختلاف العلماء في فتحها، قال: وأما قصة حنين فقد عوّض الأنصار لما قالوا تعطى الغنائم قريشاً وتتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم نفسه، فقال لهم: «أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا وترجعون برسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بيوتكم» كما في مسلم وغيره. وليس لغيره أن يقول هذا القول، بل ذلك خاص به.
قوله: {أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَئ} يشمل كل شيء يصدق عليه اسم الغنيمة. و{مِن شَئ} بيان ل {ما} الموصولة، وقد خصّص الإجماع من عموم الآية الأسارى، فإن الخيرة فيها إلى الإمام بلا خلاف.
وكذلك سلب المقتول إذا نادى به الإمام. وقيل: كذلك الأرض المغنومة. وردّ بأنه لا إجماع على الأرض.
قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمْسَه} قرأ النخعي: {فإَِنَّ للَّهِ} بكسر إن. وقرأ الباقون بفتحها على {أن} أنّ وما بعدها مبتدأ وخبره محذوف، والتقدير: فحق أو فواجب أن لله خمسه.
وقد اختلف العلماء في كيفية قسمة الخمس على أقوال ستة:
الأوّل قالت طائفة: يقسم الخمس على ستة فيجعل السدس للكعبة، وهو الذي لله، والثاني لرسول الله، والثالث، لذوي القربى، والرابع لليتامى، والخامس للمساكين، والسادس لابن السبيل.
والقول الثاني: قاله أبو العالية والربيع: إنها تقسم الغنيمة على خمسة، فيعزل منها سهم واحد ويقسم أربعة على الغانمين، ثم يضرب يده في السهم الذي عزله، فما قبضه من شيء جعله للكعبة، ثم يقسم بقية السهم الذي عزله على خمسة للرسول ومن بعده الآية.
القول الثالث: روي عن زين العابدين علي بن الحسين أنه قال: إن الخمس لنا، فقيل له: إن الله يقول: {واليتامى والمساكين وابن السبيل} فقال: يتامانا ومساكيننا وأبناء سبيلنا.
القول الرابع قول الشافعي: إن الخمس يقسم على خمسة، وإن سهم الله وسهم رسوله واحد يصرف في مصالح المؤمنين، والأربعة الأخماس على الأربعة الأصناف المذكورة في الآية.
القول الخامس قول أبي حنيفة: إنه يقسم الخمس على ثلاثة: اليتامى، والمساكين، وابن السبيل، وقد ارتفع حكم قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم بموته، كما ارتفع حكم سهمه، قال: ويبدأ من الخمس بإصلاح القناطر وبناء المساجد وأرزاق القضاة والجند.
وروي نحو هذا عن الشافعي.
القول السادس قول مالك: إنه موكول إلى نظر الإمام واجتهاده، فيأخذ منه بغير تقدير، ويعطى منه الغزاة باجتهاد، ويصرف الباقي في مصالح المسلمين.
قال القرطبي، وبه قال الخلفاء الأربعة وبه عملوا، وعليه يدل قوله صلى الله عليه وسلم: «مالي مما أفاء الله عليكم إلا الخمس، والخمس مردود عليكم»، فإنه لم يقسمه أخماساً ولا أثلاثاً، وإنما ذكر ما في الآية من ذكره على وجه التنبيه عليهم، لأنهم من أهم من يدفع إليه. قال الزجاج محتجاً لهذا القول: قال الله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مّنْ خَيْرٍ فللوالدين والأقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل} [البقرة: 215] وجائز بإجماع أن ينفق في غير هذه الأصناف إذا رأى ذلك.
قوله: {وَلِذِى القربى} قيل إعادة اللام في ذي القربى دون من بعدهم، لدفع توهم اشتراكهم في سهم النبي صلى الله عليه وسلم.
وقد اختلف العلماء في القربى على أقوال: الأول: أنهم قريش كلها، روي ذلك عن بعض السلف، واستدلّ بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه لما صعد الصفا جعل يهتف ببطون قريش كلها قائلاً: «يا بني فلان يا بني فلان».
وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور، ومجاهد، وقتادة، وابن جريج، ومسلم ابن خالد: هم بنو هاشم وبنو المطلب لقوله صلى الله عليه وسلم: «إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد»، وشبك بين أصابعهوهو في الصحيح.
وقيل: هم بنو هاشم خاصة، وبه قال مالك، والثوري، والأوزاعي، وغيرهم، وهو مروي عن علي بن الحسين، ومجاهد.
قوله: {إِن كُنتُمْ آمَنْتُمْ بالله} قال الزجاج عن فرقة: إن المعنى فاعلموا أن الله مولاكم إن كنتم آمنتم بالله. وقالت فرقة أخرى: إن {إِن} متعلقة بقوله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم} قال ابن عطية: وهذا هو الصحيح لأن قوله: {واعلموا} يتضمن الأمر بالانقياد والتسليم لأمر الله في الغنائم، فعلق {إن} بقوله: {واعلموا} على هذا المعنى، أي إن كنتم مؤمنين بالله فانقادوا وسلموا لأمر الله في الغنائم، فيما أعلمكم به من حال قسمة الغنيمة.
وقال في الكشاف: إنه متعلق بمحذوف يدلّ عليه {واعلموا} بمعنى: إن كنتم آمنتم بالله فاعلموا أنّ الخمس من الغنيمة يجب التقرب به، فاقطعوا عنه أطماعكم، واقتنعوا بالأخماس الأربعة، وليس المراد بالعلم المجرّد، ولكن العلم المضمن بالعمل والطاعة لأمر الله، لأن العلم المجرد يستوي فيه المؤمن والكافر. انتهى.
قوله: {وَمَا أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا} معطوف على الاسم الجليل أي: إن كنتم آمنتم بالله وبما أنزلنا. و{يَوْمَ الفرقان} يوم بدر، لأنه فرق بين أهل الحق وأهل الباطل. و{الجمعان} الفريقان من المسلمين والكافرين {والله على كُلّ شَيْء قَدِيرٌ} ومن قدرته العظيمة نصر الفريق الأقلّ على الفريق الأكثر.
قوله: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا وَهُم بالعدوة القصوى} قرأ ابن كثير، وأبو عمرو، ويعقوب، بكسر العين في العدوة في الموضعين. وقرأ الباقون بالضم فيهما. و{إِذْ} بدل من يوم الفرقان، ويجوز أن يكون العامل محذوفاً، أي واذكروا إذ أنتم. والعدوة: جانب الوادي. والدنيا: تأنيث الأدنى، والقصوى: تأنيث الأقصى، من دنا يدنو، وقصا يقصو، ويقال القصيا، والأصل الواو. وهي لغة أهل الحجاز، والعدوة الدنيا كانت مما يلي المدينة، والقصوى: كانت مما يلي مكة. والمعنى: وقت نزولكم بالجانب الأدنى من الوادي إلى جهة المدينة، وعدوّكم بالجانب الأقصى منه مما يلي مكة. وجملة: {والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ} في محل نصب على الحال، وانتصاب {أَسْفَلَ} على الظرف، ومحله الرفع على الخبرية، أي والحال أنّ الركب في مكان أسفل من المكان الذي أنتم فيه. وأجاز الأخفش والكسائي والفراء رفع أسفل على معنى أشدّ سفلاً منكم، والركب: جمع راكب، ولا تقول العرب ركب إلا للجماعة الراكبي الإبل، ولا يقال لمن كان على فرس وغيرها ركب. وكذا قال ابن فارس، وحكاه ابن السكيت عن أكثر أهل اللغة.
والمراد بالركب ها هنا ركب أبي سفيان، وهي المراد بالعير، فإنهم كانوا في موضع أسفل منهم مما يلي ساحل البحر.
قيل: وفائدة ذكر هذه الحالة التي كانوا عليها من كونهم بالعدوة الدنيا وعدوّهم بالعدوة القصوى والركب أسفل منهم الدلالة على قوّة شأن العدوّ وشوكته. وذلك لأن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كان فيها الماء، وكانت أرضاً لا يابس بها. وأما العدوة الدنيا فكانت رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها. وكانت العير وراء ظهر العدوّ مع كثرة عددهم، فامتنّ الله على المسلمين بنصرتهم عليهم والحال هذه.
قوله: {وَلَوْ تَوَاعَدتُّمْ لاَخْتَلَفْتُمْ فِي الميعاد} أي: لو تواعدتم أنتم والمشركون من أهل مكة على أن تلتقوا في هذا الموضع للقتال لخالف بعضكم بعضاً. فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد، وثبطهم ما في قلوبهم من المهابة لرسول الله صلى الله عليه وسلم {ولكن} جمع الله بينكم في هذا الموطن {لّيَقْضِيَ الله أَمْراً كَانَ مَفْعُولاً} أي: حقيقاً بأن يفعل من نصر أوليائه وخذلان أعدائه وإعزاز دينه وإذلال الكفر، فأخرج المسلمين لأخذ العير وغنيمتها عند أنفسهم، وأخرج الكافرين للمدافعة عنها. ولم يكن في حساب الطائفتين أن يقع هذا الاتفاق على هذه الصفة، واللام في {لّيَقْضِيَ} متعلقة بمحذوف، والتقدير: جمعهم ليقضي.
وجملة: {لّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيّنَةٍ ويَحيا مَنْ حَىَّ} بدل من الجملة التي قبلها، أي ليموت من يموت عن بينة ويعيش عن بينة لئلا يبقى لأحد على الله حجة. وقيل الهلاك والحياة مستعاران للكفر والإسلام، أي ليصدر إسلام من أسلم عن وضوح بينة، ويقين بأنه دين الحق، ويصدر كفر من كفر عن وضوح بينة لا عن مخالجة شبهة. قرأ نافع، وخلف، وسهل، ويعقوب، والبزي وأبو بكر {مِنْ حيي} بياءين على الأصل وقرأ الباقون بياء واحدة على الإدغام، وهي اختيار أبي عبيد لأنها كذلك وقعت في المصحف {وَإِنَّ الله لَسَمِيعٌ عَلِيمٌ} أي: سميع بكفر الكافرين عليم به، وسميع بإيمان المؤمنين عليم به.
وقد أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن عباد بن عبد الله بن الزبير قال: ثم وضع مقاسم الفيء، فقال: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَئ} بعد الذي كان مضى من بدر {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} إلى آخر الآية.
وأخرج عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، والحاكم، عن قيس بن مسلم الجدلي قال: سألت الحسن بن محمد بن عليّ بن أبي طالب ابن الحنفية عن قول الله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَئ فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} قال: هذا مفتاح كلام، لله الدنيا والآخرة {وَلِلرَّسُولِ وَلِذِى القربى} فاختلفوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم في هذين السهمين.
قال قائل منهم: سهم ذي القربى لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقال قائل منهم: سهم ذي القربى لقرابة الخليفة.
وقال قائل منهم: سهم النبي صلى الله عليه وسلم للخليفة من بعده. واجتمع رأى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يجعلوا هذين السهمين في الخيل والعدّة في سبيل الله، فكان ذلك في خلافة أبي بكر وعمر.
وأخرج ابن جرير، والطبراني، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث سرية فغنموا خمس الغنيمة فضرب ذلك في خمسه، ثم قرأ: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم} الآية، قال قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ} مفتاح كلام، لله ما في السموات وما في الأرض، فجعل الله سهم الله والرسول واحداً {وَلِذِى القربى} فجعل هذين السهمين قوّة في الخيل والسلاح، وجعل سهم اليتامى والمساكين وابن السبيل لا يعطيه غيرهم، وجعل الأربعة الأسهم الباقية: للفرس سهماً ولراكبه سهماً، وللراجل سهماً.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عنه، قال: كانت الغنيمة تقسم على خمسة أخماس: فأربعة منها بين من قاتل عليها، وخمس واحد يقسم على أربعة أخماس. فربع لله وللرسول ولذي القربى، يعني قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فما كان لله وللرسول فهو لقرابة النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأخذ النبي من الخمس شيئاً، والربع الثاني لليتامى، والربع الثالث للمساكين، والربع الرابع لابن السبيل، وهو الضيف الفقير الذي ينزل بالمسلمين.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، عن أبي العالية، في قوله: {واعلموا أَنَّمَا غَنِمْتُم مّن شَئ} الآية قال: كان يجاء بالغنيمة فتوضع، فيقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم على خمسة أسهم، فيعزل سهماً منها، ويقسم أربعة أسهم بين الناس، يعني لمن شهد الوقعة، ثم يضرب بيده في جميع السهم الذي عزله، فما قبض عليه من شيء جعله للكعبة، فهو الذي سمى الله لا تجعلوا لله نصيباً، فإن لله الدنيا والآخرة ثم يعمد إلى بقية السهم فيقسمه على خمسة أسهم: سهم للنبي صلى الله عليه وسلم، وسهم لذي القربى وسهم لليتامى، وسهم للمساكين، وسهم لابن السبيل.
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يجعل سهم الله في السلاح والكراع وفي سبيل الله وفي كسوة الكعبة وطيبها وما تحتاج إليه الكعبة، ويجعل سهم الرسول في الكراع والسلاح ونفقة أهله، وسهم ذي القربى لقرابته، يضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم مع سهمهم مع الناس، ولليتامى والمساكين وابن السبيل ثلاثة أسهم يضعها رسول الله فيمن شاء حيث شاء، ليس لبني عبد المطلب في هذه الثلاثة الأسهم ولرسول الله صلى الله عليه وسلم سهم مع سهام الناس.
وأخرج ابن أبي حاتم عن حسين المعلم قال: سألت عبد الله بن بريدة عن قوله: {فَأَنَّ للَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ} فقال: الذي لله لنبيه، والذي للرسول لأزواجه.
وأخرج الشافعي، وعبد الرزاق، وابن أبي شيبة، ومسلم، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس، أن نجدة كتب إليه يسأله عن ذوي القربى الذين ذكر الله، فكتب إليه إنا كنا نرى أناهم فأبى ذلك علينا قومنا، وقالوا قريش كلها ذوو قربى، وزيادة قوله وقالوا قريش كلها تفرّد بها أبو معشر. وفيه ضعف.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن المنذر، من وجه آخر عن ابن عباس: أن نجدة الحروري أرسل إليه يسأله عن سهم ذي القربى، ويقول لمن تراه؟ فقال ابن عباس: هو لقربى رسول الله صلى الله عليه وسلم قسمه لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم.
وقد كان عمر عرض علينا من ذلك عرضاً رأيناه دون حقنا فرددناه عليهم وأبينا أن نقبله، وكان عرض عليهم أن يعين ناكحهم وأن يقضي عن غارمهم، وأن يعطي فقيرهم، وأبى أن يزيدهم على ذلك.
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: رغبت لكم عن غسالة الأيدي، لأن لكم في خمس الخمس ما يكفيكم أو يغنيكم. رواه ابن أبي حاتم عن إبراهيم بن مهدي المصيصي حدّثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه عن حنش عن عكرمة عنه مرفوعاً. قال ابن كثير: هذا حديث حسن الإسناد، وإبراهيم بن مهدي هذا وثقه أبو حاتم.
وقال يحيى بن معين: يأتي بمناكير. أخرج ابن إسحاق، وابن أبي حاتم، عن الزهري وعبد الله بن أبي بكر، عن جبير بن مطعم: أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قسم سهم ذوي القربى من خيبر على بني هاشم وبني المطلب. قال: فمشيت أنا وعثمان بن عفان حتى دخلنا عليه، فقلنا يا رسول الله هؤلاء إخوانك من بني هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك منهم، أرأيت إخواننا من بني المطلب أعطيتهم دوننا، فإنما نحن وهم بمنزلة واحدة في النسب؟ فقال: «إنهم لم يفارقونا في الجاهلية والإسلام» وقد أخرجه مسلم في صحيحه.
وأخرج ابن مرديه، عن زيد بن أرقم قال: آل محمد الذين أعطوا الخمس: آل عليّ، وآل العباس، وآل جعفر، وآل عقيل.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس قال: كان للنبي صلى الله عليه وسلم شيء واحد من المغنم يصطفيه لنفسه، إما خادم وإما فرس، ثم يصيب بعد ذلك من الخمس.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن مردويه، عن عليّ قال: قلت يا رسول الله: ألا وليتني ما خصنا الله به من الخمس؟ فولانيه.
وأخرج الحاكم وصححه عنه قال: ولاني رسول الله صلى الله عليه وسلم خمس الخمس فوضعته مواضعه حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأبي بكر وعمر.
وأخرج ابن جرير، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {يَوْمَ الفرقان} قال: هو يوم بدر، وبدر ما بين مكة والمدينة.
وأخرج ابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في الدلائل، عن ابن عباس، في قوله: {يَوْمَ الفرقان} قال: هو يوم بدر فرق الله فيه بين الحق والباطل.
وأخرج ابن مردويه، عن عليّ بن أبي طالب، قال: كانت ليلة الفرقان ليلة التقى الجمعان في صبيحتها ليلة الجمعة لسبع عشرة مضت من رمضان.
وأخرجه عنه ابن جرير أيضاً.
وأخرج ابن أبي شيبة، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عباس، في قوله: {إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدنيا} قال: العدوة الدنيا شاطئ الوادي {والركب أَسْفَلَ مِنكُمْ}. قال أبو سفيان.
وأخرج ابن المنذر عن عكرمة قال: العدوة الدنيا شفير الوادي الأدنى، والعدوة القصوى شفير الوادي الأقصى.